من سوق البحيرة إلى عمارة المنوزي و المحج الملكي يبتلع المدينة القديمة
بقلم حمزة غراد
في مشهد التدمير الممنهج الذي يعرفه المغرب هذه الأيام، وطال سوق البحيرة ودرب الإنجليز ودرب الكشبار، لم تعد "الجرافات" مجرد أداة هدم، بل أصبحت رمزاً لسياسة تطال السكن غير اللائق في كاريان درب التازي وكاريان كشبار سفلي، وكاريان أو بالي رويال درب الجران ومنازل لم تكن آيلة للسقوط، هُدمت خلال السنتين الأخيرتين داخل أسوار المدينة القديمة، لتتحول أحياء بكاملها إلى ركام وذكريات، ويجد سكانها أنفسهم في العراء، دون مأوى أو تعويض أو بديل واضح، بينما تقف عائلة المنوزي، التي هُدمت عمارتها رغم تقارير الخبراء، اليوم تمنع من الولوج إلى أرضها التي تحولت إلى مستودع لمشروع "باب مراكش".
في سوق البحيرة، الذي كان يضم أكثر من 260 محلاً تجارياً لم يبقَ سوى الأنقاض والركام. وقد أُشعِر التجار بقرار الإخلاء في أيام معدودات فقط، ليُفرغوا محلاتهم على عجل، وتأتي الجرافات لتُنهي تاريخاً عريقاً كان يؤمن لقمة عيش ما لا يقل عن 1500 أسرة، أي أكثر من 5 أفراد لكل محل. ولم يكن مصير درب الإنجليز ودرب الكشبار مختلفاً، حيث طالتها موجة الهدم نفسها، في إطار ما يُسمى بمشروع "المحج الملكي". وحتى السكن غير اللائق في كاريانات درب التازي وكشبار سفلي ودرب الجران لم يسلم من هذه الموجة، لتتسع رقعة الهدم لتشمل مختلف أنواع السكن، التجاري والسكني والهش.
وفي قضية عائلة المنوزي بزنقة "كاني بان" و تطور المشهد من تهديد إلى تنفيذ، ففي 13 يوليوز 2025، تم هدم العمارة رغم وجود خبرتين تقنيتين مستقلتين (إحداهما بأمر قضائي) أثبتتا سلامة البناية وعدم تشكيلها لأي خطر، ورغم أن العائلة طعنت في قرار الهدم أمام القضاء (الملف رقم 3539/7101/2025). ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل تطورت إلى منع العائلة من الولوج إلى أرضها، واستغلالها دون أي سند قانوني كمستودع لآليات ومواد البناء الخاصة بمشروع "باب مراكش" الجديد، وهو ما دفع العائلة إلى الاستعانة بمفوض قضائي في 7 ماي 2026 لتوثيق هذا الاحتلال غير القانوني.
لكن المفاجأة الأكبر تكمن في أن هذه القرارات لم تقتصر على المنازل المهددة، بل طالت منازل لم تكن آيلة للسقوط داخل أسوار المدينة القديمة، والتي هُدمت خلال السنتين الأخيرتين، تحت نفس الذريعة. وهذا يؤكد أن ما يجري ليس مجرد تدخل لمعالجة المباني الآيلة للانهيار، بل هو سياسة ممنهجة لإخلاء أكبر عدد ممكن من العقارات، تمهيداً لمشاريع كبرى غير معلنة بالكامل. وهو النمط نفسه الذي ندد به المستشار بمجلس مقاطعة سيدي بليوط، موسى سيراج الدين، في تصريح له، معتبراً أن هذه القرارات "تعسفية"، وأن على السلطات اتباع مسطرة نزع الملكية بدلاً من توقيع قرارات هدم تحت ذريعة "الخطر".
خلف هذه القرارات تقف جهات رسمية محددة و فقرارات الهدم تصدر عن رئيسة مقاطعة سيدي بليوط، التي تتخذ من "خطر السقوط" ذريعة لإصدار قراراتها، وهو ما أكده مسؤولون محليون و كما تلعب وكالة التهيئة الحضرية للدار البيضاء دوراً محورياً من خلال تصاميم التهيئة التي تُعدها وتُصادق عليها، والتي تحدد مسار التطوير في المنطقة وقد تم المصادقة على تصميم تهيئة مقاطعة سيدي بليوط (الذي يشمل منطقة "المحج الملكي") سنة 2021 وهاتان الجهتان معاً، تُشكلان الثنائي الذي يدير ملف الهدم و دون أن تكون الساكنة طرفاً في أي حوار فعلي حول مصيرها.
وسط هذا النزيف المستمر للذاكرة العمرانية وحقوق الساكنة، برزت عدة أصوات منظمة تدافع عن حقوق المتضررين، وفي مقدمتها خمس تنسيقيات رئيسية هي: "تنسيقية ضحايا الهدم بمنطقة درب الجران وبوسبير"، و"تنسيقية ضحايا قرارات الهدم بالمدينة القديمة"، و"تنسيقية ضحايا قرارات التهجير والهدم والسطو العقاري بالمدينة العتيقة للدار البيضاء"، و"تنسيقية ضحايا سوء التدبير والتسيير العشوائي لمشروع المحج الملكي". وقد عبرت هذه التنسيقيات، إلى جانب هيئات حقوقية ونقابية وسياسية، عن قلقها البالغ إزاء ما وصفته بـ "عمليات الترحيل العشوائية" و"غير القانونية"، مطالبة السلطات بـ الوقف الفوري لعمليات الهدم، وإشراك الساكنة في مشروع "المحج الملكي"، وتوفير ضمانات شفافة لعملية التعويض والترحيل، محملين المجلس الجماعي والسلطات المحلية كامل المسؤولية عن تداعيات هذه القرارات.
هذا التقرير هو الحلقة الأولى من سلسلة تحقيقاتنا "المدينة القديمة تحت المطرقة"، التي ستكشف في حلقاتها القادمة تفاصيل أكثر عن الجهات المستفيدة من عمليات الهدم، وتتبع مسار المال العام في مشاريع التهيئة، وتوثيق شهادات حصرية من عائلات وتجار واجهوا مصيراً مماثلاً. وفي خضم كل هذه المشاهد والتناقضات، يظل السؤال المركزي مطروحاً بقوة: هل ستظل حقوق المواطنين وممتلكاتهم رهينة "مشاريع التطوير"؟ أم أن هذه القضايا ستكون اختباراً حقيقياً لهيبة القانون واستقلالية القضاء في المغرب؟ ندعو كل المتضررين والمواطنين المهتمين إلى التواصل معنا، ومشاركتنا معطياتهم وشهاداتهم، لأن هذه القضية ليست مجرد ملفات عقارية، بل هي معركة من أجل هوية المدينة وكرامة سكانها ومستقبل الأجيال القادمة.
يتبع...
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
من سوق البحيرة إلى عمارة المنوزي و المحج الملكي يبتلع المدينة القديمة
بقلم حمزة غراد في مشهد التدمير الممنهج الذي يعرفه المغرب هذه الأيام، وطال سوق البحيرة ودرب الإنجليز ودرب الكشبار، ...